كيف تتحول السعودية إلى وجهة عالمية رائدة للتجزئة والتجارب
تتحول السعودية سريعاً إلى وجهة عالمية للتجزئة وأنماط الحياة بفضل استثمارات كبرى مرتبطة برؤية 2030.
في الرياض وجدة والمناطق السياحية الناشئة في المملكة، يتشكل جيل جديد من الوجهات، يجمع التجزئة والضيافة والترفيه والطعام والثقافة والتقنية على نطاق نادراً ما يشهد مثله في أماكن أخرى.
لا تبني السعودية مزيداً من مراكز التسوق فحسب، بل تعيد التفكير فيما يمكن أن يصبح عليه مركز التسوق أو الحي الحضري أو معلم جذب الزوار.
والنتيجة اقتصاد جديد تقوده التجارب، يشجع الناس على البقاء مدة أطول والاستكشاف أكثر وبناء روابط أقوى مع الأماكن والعلامات من حولهم.
من تنويع الاقتصاد إلى بناء الوجهات
في قلب هذا التحول تأتي رؤية السعودية 2030 ، استراتيجية المملكة طويلة الأمد لتنويع اقتصادها وتحسين جودة الحياة وتطوير قطاعات تشمل السياحة والثقافة والترفيه والتجزئة.
ويحقق ذلك بالفعل نتائج قابلة للقياس. فقد مثلت الأنشطة غير النفطية نحو 51% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية في 2024، وفقاً لـ ملخص التقرير السنوي لرؤية 2030 .
توسعت السياحة أسرع بكثير مما كان متوقعاً. تجاوزت السعودية هدفها الأولي البالغ 100 مليون سائح سنوياً في 2023، قبل الموعد بسبع سنوات. ثم رفعت طموحها إلى 150 مليون سائح محلي ودولي سنوياً بحلول 2030، وفقاً لـ تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن اتجاهات السياحة وسياساتها .
في 2024، استقبلت السعودية نحو 116 مليون سائح محلي ودولي، بنمو سنوي قدره 6%. وبلغ إجمالي الإنفاق السياحي نحو 284 مليار ريال، بزيادة 11% عن العام السابق، بحسب أرقام أوردتها وكالة الأنباء السعودية .
واستمر النمو في 2025. فقد سجلت الأرقام الرسمية التي نشرتها منصة DataSaudi نحو 123 مليون سائح، منهم 29.3 مليون زائر دولي و93.3 مليون سائح محلي.
ليست هذه مجرد إحصاءات سياحية. فكل زائر إضافي يولد طلباً على الفنادق والمطاعم والنقل والترفيه والمعالم الثقافية والتجزئة. والأهم أنه يولد طلباً على أماكن تقدم عدة تجارب من هذه معاً.
إعادة ابتكار مركز التسوق التقليدي
لعقود، صمم مركز التسوق التقليدي حول رحلة بسيطة نسبياً: الوصول والتجول والشراء والمغادرة. أما مشاريع التجزئة السعودية الجديدة فتنطلق من تصور مختلف تماماً.
يظل التسوق مهماً، لكنه يحاط أكثر فأكثر بالمطاعم والفعاليات الحية والترفيه العائلي والأماكن العامة والضيافة الراقية والبرامج الثقافية والتجارب المعززة رقمياً. ولم يعد الهدف زيادة عدد الزوار فقط، بل إنشاء وجهات يختار الناس زيارتها والعودة إليها والتوصية بها.
ويستفيلد الرياض مثال واضح على هذا التحول. فمن المقرر أن يوفر المشروع المرتقب نحو 185 ألف متر مربع من المساحة القابلة للتأجير، وأكثر من 300 علامة تجارية، وأكثر من 75 متجراً رئيسياً، وأربع مناطق للطعام والشراب، ومرافق ترفيه واسعة. ويتوقع أن يستقبل أكثر من 20 مليون زائر سنوياً.
لوصول علامة ويستفيلد أهمية بحد ذاته. فبموجب اتفاق بين سينومي سنترز وUnibail-Rodamco-Westfield، قد يحمل ما يصل إلى ثمانية مراكز تسوق سعودية اسم ويستفيلد. تمتد الشراكة الأولية عشر سنوات مع خيار التمديد عشر سنوات أخرى، وفقاً لـ Unibail-Rodamco-Westfield .
وهذا دليل على تزايد أهمية السعودية لصناعة التجزئة الدولية. لم يعد المشغلون العالميون ينظرون إليها كسوق ناشئة فحسب، بل كمكان يمكن فيه إنشاء الجيل المقبل من وجهات التجزئة.
التجزئة تصبح جزءاً من اقتصاد تجارب أوسع
لا يمكن فصل تحول التجزئة السعودية عن النمو السريع لقطاعات الترفيه والضيافة والثقافة. ويسهم برنامج جودة الحياة ، أحد برامج تحقيق رؤية 2030، في دعم تطوير الثقافة والسياحة والرياضة والترفيه في أنحاء المملكة.
تعزز هذه القطاعات بعضها بعضاً. فالحدث الرياضي الكبير يجذب زواراً يحتاجون إلى الإقامة والنقل، ويتناولون الطعام ويستكشفون المعالم القريبة وينفقون في المتاجر. ويمكن للحي الثقافي دعم الفنادق والمتاجر والمعارض والمطاعم. ويمكن لوجهة تسوق استخدام الترفيه والفعاليات لإطالة مدة البقاء وتشجيع تكرار الزيارة.
ويدعم سلوك المستهلكين هذا التقارب. فقد شكلت التجزئة والطعام والشراب معاً نحو 45% من الإنفاق عبر نقاط البيع خلال الربع الأول من 2025. ومثل الإنفاق على المطاعم والمقاهي وحده 29% من المعاملات وبلغ 99 مليار ريال، وفقاً لـ تحليل نايت فرانك للتجزئة والطعام والشراب في السعودية .
لذلك تستطيع وجهات التجزئة استيعاب نشاط أوسع بكثير من شراء المنتجات المادية وحده. وستكون المشاريع الأكثر نجاحاً أماكن يبدو فيها التسوق والطعام والتواصل الاجتماعي والترفيه والاكتشاف أجزاء من رحلة واحدة مترابطة.
الجمع بين التراث والحداثة
تكتسب استراتيجية الوجهات السعودية جاذبية خاصة لأنها لا تعتمد فقط على العمارة المستقبلية. فالمملكة تجعل تاريخها وثقافتها وهويتها أيضاً أساساً لتجارب زوار جديدة.
يجري تطوير الدرعية، مهد الدولة السعودية الأولى وموقع حي الطريف المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، كوجهة كبرى للثقافة وأنماط الحياة.
بدلاً من عزل الموقع التاريخي عن الحياة المعاصرة، تجمع الدرعية التراث بالمطاعم والضيافة والفعاليات والأماكن العامة والتجزئة. ويجمع مطل البجيري العمارة السعودية والمطاعم العالمية وإطلالات الطريف في بيئة مهيأة للمشاة. وتقدم منصة الدرعية الرسمية للزوار المنطقة بوصفها نقطة لقاء بين ماضي المملكة ومستقبلها.
قد يصبح هذا المزيج من أعظم المزايا التنافسية للسعودية. تستطيع وجهات عالمية كثيرة بناء متاجر فاخرة ومرافق ترفيه، لكن القليل منها يجمع التطوير الجديد بقصة وطنية مميزة وتقاليد حية وأماكن ذات أهمية تاريخية حقيقية.
مدن كاملة تصمم حول التجربة
تتجاوز طموحات السعودية المراكز التجارية الفردية بكثير. وتشمل محفظة المشاريع الكبرى لصندوق الاستثمارات العامة وجهات تتمحور حول الترفيه والسياحة والثقافة والرياضة وأشكال جديدة للحياة الحضرية.
تصف مدينة القدية نفسها بأنها أول مدينة في العالم تبنى من أجل اللعب. وهي تجمع مدن الملاهي والرياضة والألعاب والثقافة والضيافة والتجزئة في وجهة واحدة.
أما المربع الجديد، فمن المخطط أن يكون وسطاً جديداً متعدد الاستخدامات للرياض. ويضم مخططه أكثر من 1.4 مليون متر مربع للتجزئة وأكثر من 10 آلاف غرفة فندقية، إلى جانب المكاتب والمساكن والمتاحف والمسارح والمطاعم والترفيه، وفقاً لـ مشروع المربع الجديد .
لا تكمن أهمية هذه الخطط في حجمها المادي وحده، بل في فلسفتها. لم تعد التجزئة وظيفة منفصلة تضاف إلى المدينة، بل تندمج في طريقة تنقل الناس وعملهم واسترخائهم واكتشافهم وتفاعلهم.
يخلق ذلك فرصاً للعلامات الدولية، لكنه يرفع التوقعات أيضاً. فقد يصعب على متجر تقليدي داخل وجهة استثنائية أن يبدو ملائماً. وستحتاج العلامات إلى التفكير بعناية أكبر في الإبهار والتكيف المحلي والتخصيص والمشاركة.
في الوجهات السعودية الأكثر طموحاً، يمكن تعزيز رحلة الزائر عبر:
- معلومات متعددة اللغات للزوار ومساعدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
- إرشاد تفاعلي في البيئات الكبيرة والمعقدة
- سرد غامر لقصص العلامات وعروض للمنتجات
- ترويج مترابط للفعاليات ووسائط الوجهة والإعلان
التقنية تصبح جزءاً من الوجهة نفسها
مع اتساع الوجهات السعودية وزيادة اعتمادها على التجارب، ستؤدي التقنية دوراً أكبر في مساعدتها على الفهم والتنقل. ويمكن للإرشاد الرقمي والمعلومات التفاعلية والمساعدة متعددة اللغات والإعلان الغامر وخدمة العملاء الذكية أن تجعل الوجهة المعقدة أكثر سهولة ووضوحاً.
هنا تستطيع التقنيات الهولوغرافية والمكانية تقديم إسهام مهم. يمكن لمساعد هولوغرافي ذكي استقبال الزوار والإجابة بلغات متعددة وشرح المعالم وتقديم الاتجاهات واقتراح المتاجر والمطاعم والفعاليات ذات الصلة. ويمكن للشاشة نفسها أن تصبح منصة إعلامية قوية حين لا تستخدم للإرشاد أو خدمة العملاء.
وتبرز أهمية ذلك خصوصاً في السعودية، حيث تتسع الوجهات وتزداد أعداد الزوار الدوليين وتتلاشى الحدود بين التجزئة والسياحة والترفيه.
تقدم الشاشة المعلومات، ويقدم الموظف حضوراً بشرياً. أما الذكاء الاصطناعي الهولوغرافي فيستطيع الجمع بين قابلية النظام الرقمي للتوسع وإحساس أقوى بكثير بالحضور والشخصية والتفاعل.
في Miirage ، نؤمن بأن هذا النوع من التقنية سيزداد أهمية مع تنافس الوجهات على انتباه الزوار إلى جانب زياراتهم.
فرصة كبرى للعلامات العالمية
يقدم التحول السعودي فرصة هائلة، لكن النجاح يتطلب أكثر من مجرد دخول السوق.
ينبغي للعلامات فهم أن المملكة تطور نموذجها الخاص للتجزئة القائمة على التجارب، تشكله الثقافة السعودية والسكان الشباب المتصلون رقمياً والطلب المحلي القوي والسياحة الدولية سريعة النمو.
ستجمع الأفكار الأقوى الجودة العالمية والملاءمة المحلية. وستستخدم التقنية لتحسين رحلة العميل بدلاً من إضافتها كعنصر مبهر فقط، وستدرك أن المتجر أو النشاط الترويجي أو الحملة جزء من تجربة وجهة أكبر بكثير.
سيتنافس تجار التجزئة أكثر على ما يستطيع الناس رؤيته وفعله ومشاركته وتذكره، إلى جانب ما يستطيعون شراءه. ويمكن للبيئات القائمة على التجارب إطالة البقاء ودعم الإعلان المميز وفتح إيرادات جديدة وتقوية العلاقة بالزوار لمالكي العقارات ومشغلي الوجهات.
السعودية لا تكتفي باتباع مستقبل التجزئة
لا يزال اقتصاد التجزئة والتجارب السعودي يتطور، ويحمل حجم الخطط تحديات حتمية. فلا بد من تنفيذ المشاريع بصورة مستدامة ومجدية تجارياً وتواصل خدمة المجتمعات المحلية.
لكن الاتجاه واضح: تنمو السياحة، وتدخل علامات دولية السوق، وتتشكل قطاعات جديدة للثقافة والترفيه. وتتطور مراكز التسوق إلى وجهات متعددة الاستخدامات، بينما تصمم أحياء كاملة حول التجربة منذ البداية.
لا تحاول السعودية مجرد نسخ نماذج التجزئة الراسخة في لندن أو نيويورك أو سنغافورة أو دبي. بل تستخدم حجم رؤية 2030 وطموحها لتطوير شيء مختلف: وجهات تعمل فيها التجارة والثقافة والضيافة والترفيه والتقنية كمنظومة واحدة مترابطة.
إذا تحول هذا الطموح بنجاح إلى تجارب زوار ممتازة باستمرار، فلن تنضم السعودية فقط إلى وجهات التجزئة وأنماط الحياة الرائدة، بل ستساعد في تحديد ملامح جيلها المقبل.
لا تبني السعودية مزيداً من أماكن التسوق فحسب، بل تصنع نموذجاً عالمياً جديداً لوجهات يعيش الناس تجاربها.للمزيد من القراءة
- نظرة عامة على رؤية السعودية 2030
- برنامج جودة الحياة ضمن رؤية السعودية 2030
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: اتجاهات السياحة وسياساتها في السعودية
- وكالة الأنباء السعودية: الأداء السياحي في 2024
- إحصاءات السياحة من DataSaudi
- سينومي سنترز: ويستفيلد الرياض
- شراكة Unibail-Rodamco-Westfield وسينومي سنترز
- نايت فرانك: تقرير السعودية 2025، التجزئة والطعام والشراب
- منصة الدرعية الرسمية للزوار
- المشاريع الكبرى لصندوق الاستثمارات العامة
- شركة القدية للاستثمار
- الموقع الرسمي لمشروع المربع الجديد